لا يعني بدء المفاوضات أن العقد أصبح ملزماً، كما أن التراجع عنها لا يؤدي تلقائياً إلى استحقاق التعويض. لكن طريقة بدء التفاوض وإدارته وإنهائه قد تترتب عليها مسؤولية قانونية إذا خالفت حسن النية وألحقت بالطرف الآخر ضرراً فعلياً.
وقد نظّم قانون المعاملات المدنية الإماراتي الصادر بالمرسوم بقانون اتحادي رقم (25) لسنة 2025 هذه المرحلة صراحةً، ودخل حيّز النفاذ في 1 يونيو 2026. وقرّر أن المفاوضات لا تلزم أطرافها بإبرام العقد، مع إلزامهم في الوقت نفسه بمراعاة حسن النية أثناء اقتراحها وسيرها وإنهائها.
المفاوضات لا تعني أن العقد أصبح ملزماً:
تُعد المفاوضات مرحلة تمهيدية يتبادل فيها الأطراف المقترحات والمعلومات والمسودات، ويدرسون الشروط التجارية أو الفنية أو القانونية، تمهيداً لاحتمال الوصول إلى اتفاق. ولكل طرف، من حيث الأصل، أن يقيّم الصفقة وأن يعدل عن إتمامها إذا لم تعد مناسبة له.
لذلك، فإن عدم توقيع العقد لا يُعد وحده خطأً يوجب التعويض. كما أن طول مدة التفاوض، أو تبادل عدة مسودات، أو الاتفاق على بعض التفاصيل لا يكفي وحده للقول إن العقد قد انعقد أو إن أحد الأطراف أصبح ملزماً بإتمامه. ويُنظر في ذلك إلى ما عبّر عنه الأطراف فعلياً، ومدى اتفاقهم على المسائل الجوهرية، وأي شروط جعلوها لازمة لإتمام الصفقة، مثل الحصول على موافقات داخلية أو استكمال الفحص القانوني والمالي أو توقيع عقد نهائي.
وفي المقابل، لا ينبغي افتراض أن غياب التوقيع يحسم دائماً مسألة وجود الالتزام؛ فقد يتوقف التكييف على مضمون المراسلات والمستندات وما اتفق عليه الأطراف. ولهذا تكتسب صياغة عبارات مثل «غير ملزم»، و«خاضع للموافقة النهائية»، و«لا ينشأ الالتزام إلا بالتوقيع» أهمية عملية، مع ضرورة أن تنسجم هذه العبارات مع سلوك الأطراف ومراسلاتهم.
متى قد يشكّل قطع المفاوضات سوء نية؟
يمنح القانون كل طرف حرية العدول عن إبرام العقد، لكنه لا يجعل هذه الحرية مطلقة من مقتضيات حسن النية. فقد تنشأ المسؤولية إذا بدأ الطرف التفاوض أو استمر فيه أو أنهاه بطريقة سيئة، وأصاب الطرف الآخر بضرر فعلي.
ومن الأمثلة التي قد تُطرح عند تقييم السلوك: الدخول في مفاوضات من دون نية جدية لإتمام الصفقة، أو الاستمرار فيها لتحقيق غرض منفصل، أو تشجيع الطرف الآخر على تحمل نفقات كبيرة مع العلم بعدم وجود رغبة حقيقية في التعاقد. وقد يُنظر كذلك إلى تقديم معلومات مضللة، أو إخفاء معلومة جوهرية، أو استغلال معلومات سرية حصل عليها أحد الأطراف خلال المفاوضات.
وهذه أمثلة تُقيّم في ضوء وقائع كل حالة، وليست كل واقعة منها دليلاً كافياً بمفردها على سوء النية. فالانسحاب المفاجئ، أو اختلاف الأطراف على السعر، أو عدم التوصل إلى اتفاق، لا يثبت وحده وجود خطأ. وتُدرس الصورة كاملةً، بما فيها مرحلة التفاوض، وأسباب إنهائه، والوعود أو التأكيدات المتبادلة، والمراسلات، ومدى ما ولّده سلوك أحد الأطراف من اعتماد معقول لدى الطرف الآخر.
ونصّت المادة (121) صراحةً على أن تعمّد عدم الإفصاح عن بيان جوهري يؤثر في صحة العقد يُعد من صور سوء النية. كما أوجبت المادة (122) الإفصاح عن المعلومات ذات الأهمية الحاسمة لرضا الطرف الآخر، في الحالات التي يفترض فيها جهله بها أو يكون قد وضع ثقته بالطرف المقابل.
ما التعويض الذي يمكن المطالبة به؟
إذا ثبت أن أحد الأطراف تفاوض أو أنهى التفاوض بسوء نية، فقد يكون مسؤولاً عن تعويض الضرر الفعلي الذي أصاب الطرف الآخر. لكن ذلك لا يعني أن التعويض يشمل تلقائياً الأرباح التي كان يتوقعها المتضرر من العقد الذي لم يُبرم، أو الفرص التي كان يأمل في تحقيقها بسببه؛ فالمادة (121) تستبعد هذه المصالح المتوقعة والفرص الضائعة من التعويض، ما لم يتفق الأطراف على خلاف ذلك.
وقد تشمل الخسارة الفعلية، بحسب ظروف القضية وما يثبت فيها، نفقات معقولة أُنفقت بسبب المفاوضات، مثل تكاليف الدراسات أو الاستشارات أو التقييمات أو التحضيرات المرتبطة بالصفقة. لكن مجرد تقديم فواتير أو إثبات وجود مصروفات لا يكفي بالضرورة؛ إذ يلزم بيان صلتها بالسلوك محل المسؤولية وإثبات الضرر والعلاقة السببية بينهما. ولا يُحكم بالتعويض لمجرد فشل المفاوضات أو لأن أحد الأطراف لم يحصل على الصفقة التي كان يأمل فيها.
الإفصاح عن المعلومات وحماية السرية
لا تقتصر الالتزامات السابقة للتعاقد على حسن النية عند الانسحاب. فالمادة (122) تنظم واجب الإفصاح عن المعلومات الحاسمة، وتوضح أن هذا الواجب يقع على طرفي المفاوضات، وأنه لا يجوز الاتفاق على الحد منه أو استبعاده. وقد يطلب الطرف المتضرر إبطال العقد إذا أخل الطرف الآخر بهذا الالتزام، وفقاً لما تقرره المادة.
كذلك، فإن المعلومات التي يتبادلها الأطراف أثناء التفاوض قد تكون سرية بطبيعتها أو بموجب اتفاق. وتنص المادة (123) على مسؤولية من يستخدم أو يفشي، من دون إذن، معلومات سرية حصل عليها بمناسبة المفاوضات أو العقد. لذلك، يُستحسن تحديد المعلومات السرية وطريقة استخدامها، والأشخاص المسموح لهم بالاطلاع عليها، وما يجب فعله بها عند انتهاء التفاوض.
كيف تُوثّق مرحلة ما قبل التعاقد؟
تساعد خطابات النوايا ومذكرات التفاهم ومحاضر الاجتماعات والمراسلات على توضيح طبيعة التفاوض والمرحلة التي بلغها، وما إذا كان بعض ما ورد فيها ملزماً بصورة مستقلة عن إتمام الصفقة. فقد لا يكون المستند ملزماً بإبرام العقد، لكنه قد يتضمن التزامات مستقلة تتعلق بالسرية أو الحصرية أو توزيع تكاليف الفحص والدراسة.
ومن المفيد أن توضّح المستندات، بحسب طبيعة الصفقة، ما إذا كان إتمامها مشروطاً بموافقات داخلية أو بنتائج الفحص القانوني والمالي أو بتوقيع عقد نهائي. كما يُستحسن توثيق أسباب إنهاء المفاوضات، خصوصاً إذا استمرت فترة طويلة أو ترتبت عليها نفقات كبيرة.
قطع المفاوضات لا يوجب التعويض لمجرد وقوعه؛ فلكل طرف، من حيث الأصل، حرية عدم إبرام العقد. لكن المسؤولية قد تنشأ إذا ثبت أن التفاوض أو إنهاءه تم بسوء نية، وأن هذا السلوك تسبب بضرر فعلي للطرف الآخر. ويظل تقدير ذلك مرتبطاً بمجموع الوقائع والمستندات والالتزامات التي نشأت خلال مرحلة التفاوض، لا بمجرد أن الصفقة لم تكتمل.
لا توجد تعليقات حتى الآن، رأيك يهمنا!
كن أول من يشارك أفكاره ويبدأ المحادثة. نحن متحمسون لمعرفة رأيك!