توثيق الأدلة الرقمية في الدعاوى: الضوابط القانونية وأهميته في الإثبات القضائي

توثيق الأدلة الرقمية في الدعاوى: الضوابط القانونية وأهميته في الإثبات القضائي

شهدت المنظومة القضائية في السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا في وسائل الإثبات، تزامنًا مع التحول الرقمي المتسارع الذي طال مختلف مناحي الحياة. وأصبحت الأدلة الرقمية عنصرًا محوريًا في عدد متزايد من الدعاوى، سواء كانت تجارية، جنائية، مدنية، أو حتى في منازعات العمل والأسرة. وتشمل هذه الأدلة رسائل البريد الإلكتروني، المحادثات عبر تطبيقات التواصل، سجلات المعاملات المالية الإلكترونية، البيانات المخزنة على الأجهزة الذكية والحواسيب، والمحتوى المنشور على المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي.

وقد واكب المشرّع الإماراتي هذا التطور من خلال الاعتراف بحجية الأدلة الرقمية، شريطة توثيقها وجمعها وفق إجراءات قانونية تضمن سلامتها ومصداقيتها، وتحافظ على قيمتها القانونية عند عرضها أمام القضاء، بما يمنع الطعن فيها أو التشكيك في صحتها.


أولًا: الإطار القانوني للأدلة الرقمية في التشريع الإماراتي

يعترف القانون الإماراتي بالأدلة الرقمية كوسيلة من وسائل الإثبات، متى توافرت فيها شروط السلامة الفنية والقانونية. ويشترط لقبولها أمام المحاكم أن تكون قد جُمعت بطرق مشروعة، وألا تكون قد تعرضت للتعديل أو التلاعب، وأن يكون بالإمكان التحقق من مصدرها وتاريخ إنشائها وسلسلة تداولها.

ولا يقتصر دور القاضي على مجرد الاطلاع على الدليل الرقمي، بل يمتد إلى تقدير قوته الإثباتية ومدى اتساقه مع باقي الأدلة المطروحة في الدعوى، وهو ما يجعل مسألة التوثيق السليم عاملًا حاسمًا في ترجيح كفة الإثبات.


ثانيًا: الالتزامات القانونية عند جمع الأدلة الرقمية

يتطلب جمع الأدلة الرقمية الالتزام بجملة من الضوابط القانونية والإجرائية، أبرزها:

  • حفظ البيانات الرقمية في بيئة آمنة تمنع العبث أو التغيير.

  • توثيق تاريخ ووقت الحصول على الدليل بدقة.

  • تسجيل الوسيلة التي تم من خلالها استخراج الدليل، سواء كان هاتفًا، حاسوبًا، خادمًا إلكترونيًا، أو منصة رقمية.

  • الالتزام بقوانين حماية الخصوصية والبيانات الشخصية، وعدم انتهاك حقوق الغير أثناء جمع الأدلة.

وأي إخلال بهذه الالتزامات قد يؤدي إلى استبعاد الدليل، أو تعريض القائم بجمعه للمساءلة القانونية، خاصة إذا تم الحصول عليه بوسائل غير مشروعة.


ثالثًا: طرق توثيق الأدلة الرقمية المقبولة قانونيًا

يعتمد القضاء الإماراتي على مجموعة من المعايير الفنية والقانونية لقبول الأدلة الرقمية، من أبرزها:

  • التحقق من مصدر البيانات وهوية من أنشأها أو أرسلها.

  • التأكد من عدم تعديل المحتوى منذ لحظة إنشائه أو استخراجه.

  • إمكانية تتبع سلسلة الحفظ والنقل (Chain of Custody) منذ جمع الدليل وحتى تقديمه للمحكمة.

وغالبًا ما يُستعان بخبراء تقنية المعلومات والأمن السيبراني لفحص الأدلة الرقمية، واستخراجها باستخدام أدوات معتمدة، وإعداد تقارير فنية متخصصة تثبت سلامتها ومصداقيتها، مما يعزز قوتها القانونية ويجعلها أكثر قبولًا أمام القضاء.


رابعًا: الآثار القانونية لعدم التوثيق السليم

يترتب على الإهمال في توثيق الأدلة الرقمية آثار قانونية جسيمة، قد تصل إلى فقدان الدليل لقيمته الإثباتية بالكامل، وهو ما قد يؤثر سلبًا على مسار الدعوى ونتائجها. كما أن تقديم أدلة رقمية مزيفة أو تم التلاعب بها قد يُعرّض الأطراف للمساءلة الجنائية أو المدنية، فضلًا عن المساس بمصداقية الدعوى ذاتها.

كذلك، فإن جمع الأدلة بطرق تنتهك الخصوصية أو تخالف القوانين المعمول بها قد يؤدي إلى رفض الدليل، حتى وإن كان صحيحًا من الناحية الواقعية.


خامسًا: أهمية حفظ سلسلة الأدلة الرقمية (Chain of Custody)

تُعد سلسلة الحفظ من الركائز الأساسية لقبول الأدلة الرقمية أمام المحاكم. فهي توثق بشكل دقيق كل مرحلة مرّ بها الدليل، بدءًا من لحظة جمعه، مرورًا بعمليات التخزين والفحص والنقل، وصولًا إلى عرضه أمام القضاء، مع تحديد الأشخاص المسؤولين عن كل مرحلة وتوقيت وطبيعة التعامل مع الدليل.

وأي خلل أو انقطاع في هذه السلسلة قد يفتح المجال للطعن في صحة الدليل أو التشكيك في سلامته، ما قد يؤثر بشكل مباشر على قناعة المحكمة. لذلك، فإن توثيق كل مرحلة بدقة يمثل ضمانة قانونية فعّالة لحماية حقوق الأطراف.


سادسًا: دور المحامي والخبراء التقنيين في إدارة الأدلة الرقمية

يلعب المستشار القانوني دورًا محوريًا في توجيه الأطراف حول كيفية التعامل مع الأدلة الرقمية منذ اللحظة الأولى، من حيث جمعها، حفظها، وتقديمها بصورة قانونية سليمة. كما يسهم في اختيار الخبراء المختصين، ومراجعة التقارير الفنية، وربطها بالأسس القانونية للدعوى.

وفي المقابل، يؤدي الخبراء التقنيون دورًا تكميليًا لا غنى عنه، من خلال فحص الأدلة، التحقق من سلامتها، واستخدام الوسائل الفنية المعتمدة لإثبات عدم التلاعب بها، بما يدعم الموقف القانوني أمام المحكمة.

يشكّل توثيق الأدلة الرقمية اليوم أحد أهم أعمدة الإثبات في الدعاوى القضائية الحديثة، ولا يمكن التعامل معه باعتباره إجراءً شكليًا أو ثانويًا. فالدليل الرقمي، مهما بلغت أهميته، يفقد قيمته إذا لم يُجمع ويُوثّق وفق الأصول القانونية والفنية السليمة.

أعجبك المقال؟ شاركه من خلال الموقع!

التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن، رأيك يهمنا!
كن أول من يشارك أفكاره ويبدأ المحادثة. نحن متحمسون لمعرفة رأيك!

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

منشورات مشابهة